الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

84

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن بعض الأصحاب يدعي أن مركبا فيه مسلمون وكفار أشرف على الغرق وأرادوا أن يرموا بعضهم إلى البحر ليخفّ المركب فينجو بعضهم ويسلم المركب فقالوا : نقترع فمن وقعت القرعة عليه ألقيناه . فنظر رئيس المركب إليهم وهم جالسون على هذه الصورة فقال : ليس هذا حكما مرضيا وإنما نعدّ الجماعة فمن كان تاسعا ألقيناه فارتضوا بذلك فلم يزل يعدهم ويلقي التاسع فالتاسع إلى أن ألقى الكفار وسلم المسلمون وهذه صورة ذلك ( وصوّر دائرة فيها علامات حمر وعلامات سود ، فالحمر للمسلمين ومنهم ابتداء العدّ وهو إلى جهة الشمال ) قال : ولقد ذكرتها لنور الدين علي بن إسماعيل الصفدي فأعجبته وقال : كيف أصنع بحفظ هذا الترتيب فقلت له : الضابط في هذا البيت تجعل حروفه المعجمة للكفار والمهملة للمسلمين وهو : اللّه يقضي بكل يسر * ويرزق الضيف حين كانا ا . ه وكانت القرعة طريقا من طرق القضاء عند التباس الحق أو عند استواء عدد في استحقاق شيء . وقد تقدم في سورة آل عمران [ 44 ] عند قوله : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وهي طريقة إقناعية كان البشر يصيرون إليها لفصل التنازع يزعمون أنها دالة على إرادة اللّه تعالى عند الأمم المتدينة ، أو إرادة الأصنام عند الأمم التي تعبد الأصنام تمييز صاحب الحق عند التنازع . ولعلها من مخترعات الكهنة وسدنة الأصنام . فلما شاعت في البشر أقرتها الشرائع لما فيها من قطع الخصام والقتال ، ولكن الشرائع الحقّ لما أقرتها اقتصدت في استعمالها بحيث لا يصار إليها إلا عند التساوي في الحقّ وفقدان المرجّح ، الذي هو مؤثر في نوع ما يختلفون فيه ، فهي من بقايا الأوهام . وقد اقتصرت الشريعة الإسلامية في اعتبارها على أقل ما تعتبر فيه . مثل تعيين أحد الأقسام المتساوية لأحد المتقاسمين إذ تشاحوا في أحدها ، قال ابن رشد في « المقدمات » : « والقرعة إنما جعلت تطييبا لأنفس المتقاسمين وأصلها قائم في كتاب اللّه لقوله تعالى في قصة يونس : فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ . وعندي : أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين المتساويين لأنها لم تحك شرعا صحيحا كان قبل الإسلام إذ لا يعرف دين أهل السفينة الذين أجروا الاستهام على يونس ، على أن ما أجري الاستهام عليه قد أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام . فلو صح أن ذلك كان شرعا لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا . قال ابن العربي : الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم فإنه لا